تحوّل موقف حركة ماغا من إسرائيل: جذوره وتعقيداته ومستقبله
تهدف هذه الورقة إلى تقديم قراءة مطولة ومترابطة للتحول الجاري داخل اليمين الأمريكي، وبخاصة داخل ما يسمى بتيار MAGA، في موقفه من إسرائيل والقضية الفلسطينية. لسنوات طويلة، بدا المشهد للمتابع بسيطاً: الديمقراطيون أقرب – نسبياً - إلى انتقاد سياسات إسرائيل، بينما الجمهوريون، وخصوصاً الجناح المحافظ الديني، هم الحليف الأكثر ثباتاً لتل أبيب. اليوم، تظهر شقوق واضحة داخل هذا التصنيف التقليدي، ولا سيما بعد حرب الإبادة على غزة الممتدة منذ السابع من أكتوبر. فبينما ما زالت قيادة الحزب الجمهوري والمؤسسات الأساسية/التقليدية في اليمين تقف في صف إسرائيل بشكل شبه تلقائي، تشهد القاعدة الشعبوية المرتبطة بماغا، وشرائح واسعة من الشباب الجمهوري والإنجيلي، تحولات مفاجئة وذات دلالات عميقة تستحق التأمل والدراسة.
السؤال المركزي الذي تحاول الورقة الإجابة عنه هو: ما طبيعة التحول الجاري في موقف ماغا واليمين المحافظ من إسرائيل، وما جذوره الفكرية والجيلية والسياسية، وكيف يمكن أن ينعكس مستقبلاً على علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل ومقاربتها للمسألة الفلسطينية؟ للإجابة عن هذا السؤال، تبدأ الورقة بتقديم خلفية تاريخية مركزة عن علاقة اليمين الأمريكي بإسرائيل، ثم تنتقل إلى تحليل ظاهرة ماغا وارث ترامب في هذا الملف، قبل أن تتوقف عند حرب غزة كعامل تسريع للتحولات الكامنة. بعدها، تتناول بالتفصيل الفاعلين الرئيسيين الذين يقودون هذا التحول، وتشرح العوامل البنيوية التي تغذيه، لتصل في النهاية إلى استشراف سيناريوهات ممكنة وتأمل فيما يعنيه ذلك لصانع القرار والباحث العربي.
الخلفية التاريخية لعلاقة اليمين الأمريكي بإسرائيل
منذ سبعينيات القرن العشرين تقريباً، تشكل محور محافظ داخل السياسة الأمريكية يرى في إسرائيل حليفاً استراتيجياً وأخلاقياً لا غنى عنه. في سياق الحرب الباردة، قدّم المحافظون، خصوصاً داخل الحزب الجمهوري، إسرائيل بوصفها «ديمقراطية صغيرة» تقف في مواجهة أنظمة عربية تُرى قريبة من الاتحاد السوفييتي أو من المعسكر الاشتراكي. هذا الإطار أتاح لليمين الأمريكي أن يدمج إسرائيل في سردية أوسع عن «العالم الحر» في مواجهة الشيوعية، بحيث صار الدفاع عن إسرائيل جزءاً من الدفاع عن الولايات المتحدة ذاتها في المخيال المحافظ آنذاك.
مع صعود «اليمين الديني» في الولايات المتحدة في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، ولا سيما بين البروتستانت الإنجيليين البيض، أضيفت قاعدة دينية قوية إلى هذا التحالف. كثير من الإنجيليين تبنوا ما يعرف باللاهوت الصهيوني المسيحي الذي يربط قيام دولة إسرائيل الحديثة بنبوءات توراتية، ويرى أن مباركة إسرائيل شرط لنيل البركة الإلهية. نشأت تنظيمات ضخمة من هذا النوع كان أبرزها «المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل Christians United for Israel» (CUFI) التي تقول إن عدد أعضائها يتجاوز عشرة ملايين، وتعمل كلوبي منظّم له حضور سنوي في واشنطن من خلال مؤتمرات ولقاءات مع المشرعين للضغط من أجل مواقف متشددة داعمة لإسرائيل.
خلال عقدي التسعينيات والألفية، تضافرت هذه العناصر الدينية مع صعود تيار «المحافظين الجدد» الذي تبنى وروج لسياسة خارجية هجومية ويعتبر حماية إسرائيل جزءاً عضوياً من مشروع أوسع لنشر «الديمقراطية الليبرالية» في الشرق الأوسط. بعد هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، برز خطاب «الحرب على الإرهاب» الذي مزج بين العداء لتنظيمات مثل القاعدة وحماس وحزب الله، وبين شيطنة أوسع للإسلام السياسي، الأمر الذي عزز السردية القائلة بأن إسرائيل والولايات المتحدة في خندق واحد ضد «الإرهاب الإسلامي» كعدو مشترك. في هذا السياق، جرى تقديم الانتفاضة الثانية، ثم الحروب المتكررة على غزة، عبر الإعلام المحافظ السائد بوصفها معارك دفاعية تخوضها إسرائيل ضد «الإرهاب»، مع حضور محدود لسرديات الاحتلال والحصار والاستيطان.
الأرقام تعكس متانة هذا الإجماع. استطلاعات «غالوب» منذ التسعينيات تشير إلى أن نسبة الجمهوريين الذين يصرحون بأن تعاطفهم في الصراع يميل أكثر إلى الإسرائيليين ظلت تتراوح بين ثلثي القاعدة الجمهورية وثلاثة أرباعها، لتصل إلى ذروة تقارب 87 في المئة عام 2018، في مقابل نسب ضئيلة للغاية تعاطفت مع الفلسطينيين.
في المقابل، أظهرت الاستطلاعات نفسها أن الديمقراطيين كانوا يتحركون تدريجياً في اتجاه أكثر توازناً، قبل أن يميل جزء متزايد منهم إلى التعاطف مع الفلسطينيين في العقد الأخير. أما داخل اليمين، فكان الصوت المعارض للتحالف التقليدي مع إسرائيل محصوراً في هوامش «اليمين الانعزالي» وبعض الليبرتاريين الذين يعارضون المساعدات الخارجية من حيث المبدأ، إضافة إلى بعض «المحافظين القدامى» الذين رأوا في هذا التحالف عبئاً على المصالح الوطنية الأمريكية، لكن تأثيرهم ظل محدوداً حتى العقد الماضي.
ماغا كظاهرة سياسية - تركيبها وخصوصيتها في الملف الإسرائيلي
رغم أن شعار «اجعلوا أمريكا عظيمة مجدداً» ارتبط في الوعي العام بصعود دونالد ترامب، فإن جذوره تمتد إلى حقبة أقدم كثيراً، بدءاً من الظهور المبكر لشعار «أمريكا أولاً» في أربعينات القرن الماضي، مروراً بإعادة توظيف فكرة «العظمة» على يد رونالد ريغان في الثمانينات. فقد صاغ ريغان في حملته لعام 1980 خطاباً قوياَ حول ضرورة استعادة عظمة الولايات المتحدة بعد ما اعتبره سنوات من التدهور الاقتصادي والضعف الدولي خلال إدارة كارتر، بل استخدم التعبير نفسه في إحدى إعلاناته الانتخابية قائلاً: «لنعد لأمريكا عظمتها من جديد»[1]. ورغم أنه لم يعتمد هذه العبارة شعاراً رسمياً، فإنها اختزلت جوهر مشروعه القومي المحافظ الذي جمع بين نهضة اقتصادية داخلية وتأكيد دور أمريكا العالمي من موقع قوة.[2]
وفي التسعينات، جاء بات بوكانان ليجعل التداخل بين فكرة العظمة وشعار «أمريكا أولاً» أكثر صراحة؛ إذ تبنى الشعار القديم علناً في حملتيه الرئاسيتين عامي 1992 و1996، مقدماً رؤية قومية انعزالية ترى أن استعادة القوة الأمريكية تتطلب إنهاء الحروب الخارجية، مقاومة التجارة الحرة، تشديد الهجرة، وتقليص نفوذ اللوبيات الأجنبية، بما فيها اللوبي المؤيد لإسرائيل.[3] وبوكانان، بخلفيته كمستشار لنيكسون وفورد وريغان، أعاد دمج هذه العناصر في إطار فكري يجمع بين القومية الاقتصادية والحفاظ على الهوية المسيحية المحافظة ورفض التحالفات الدائمة، ليصبح أحد أوائل من ربطوا بين المفهومين في بنية فكرية واضحة داخل اليمين الحديث.[4] وعندما ظهر ترامب، لم يكن شعاره «اجعلوا أمريكا عظيمة مجدداً» ابتكاراً منفصلاً، بل كان امتداداً مباشراً لهذه السلسلة التاريخية: أخذ لغة ريغان العاطفية حول «العظمة»، ودمجها بالمضمون الانعزالي الذي طوّره بوكانان تحت عنوان «أمريكا أولاً»، ثم صاغهما معاً في هوية سياسية شعبوية وقومية موجهة ضد النخب السياسية والتحالفات الدولية. وبهذه الطريقة أصبحت ماغا التعبير الشعبوي الواسع عن الإرث الفكري الممتد لشعار «أمريكا أولاً»، حيث تترافق الدعوة إلى استعادة العظمة مع أولوية التركيز على الداخل وتقليص الالتزامات الخارجية، بما في ذلك التحالفات التقليدية مثل التحالف مع إسرائيل.
مع مرور الوقت، تحوّل شعار ماغا إلى هوية سياسية-ثقافية لتيار واسع داخل الحزب الجمهوري: تيار يرفض النخب التقليدية في واشنطن، ويعبّر عن غضب الطبقات البيضاء من العولمة والهجرة والتحولات الثقافية، ويقدّم نفسه بوصفه صوت «الأمريكي العادي» في مواجهة «الدولة العميقة» والإعلام الليبرالي. على المستوى الاجتماعي، يتكوّن هذا التيار من ائتلاف متنوع يشمل العمال البيض من ذوي التعليم المحدود في الولايات الداخلية، والإنجيليين المحافظين، والمزارعين، وأصحاب الأعمال الصغيرة، إلى جانب جزء من البرجوازية الصغيرة الحضرية التي تميل إلى الشعبوية اليمينية.[5]
في الملف الإسرائيلي تحديداً، مثّل وصول ترامب إلى السلطة لحظة ذروة غير مسبوقة في التاريخ الأمريكي الحديث. فقد قدّم نفسه منذ البداية بوصفه «أكثر رئيس مؤيد لإسرائيل»، وتعهد بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بها عاصمة موحدة لإسرائيل، وهو ما نفّذه فعلاً عامي 2017 و2018 رغم التحذيرات المتكررة من دبلوماسيين وخبراء أمنيين سابقين من آثار القرار على الاستقرار الإقليمي. كما اعترف بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل عام 2019، وطرح خطة «السلام من أجل الازدهار» ا لتي منحت إسرائيل عملياً ضوءاً أخضر لضم مساحات واسعة من الضفة الغربية، ثم رعى «اتفاقات أبراهام» التي طبّعت العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية.
خلال إدارة ترامب الأولى لم يكن ملف إسرائيل مثيراً للجدل والانقسام داخل معسكر ماغا كما هو الحال الآن، إذ لم يكن القوميون والليبرتاريون ودوائر «أمريكا أولاً» يعتبرونه محوراً يستحق المواجهة مع بقية اليمين. فقد ظلّ يُنظر إليه باعتباره جزءاً من الحزمة الجمهورية التقليدية التي يمكن تركها دون صِدام، خاصة وأن قاعدة ترامب الإنجيلية المؤيدة بقوة لإسرائيل كانت تمثل ركناً رئيسياً في ائتلاف ماغا ولا يمكن تجاهل أولوياتها. كما أن خطوات ترامب المؤيدة لإسرائيل – من نقل السفارة إلى الاعتراف بالجولان ورعاية اتفاقات أبراهام – قُدمت لجمهور اليمين بوصفها قرارات لا تفرض كلفة دموية ولا تورطاً عسكرياً، بل انتصارات سياسية مجانية تعزز صورة أمريكا القوية. لهذا السبب بقي الملف الإسرائيلي في ولاية ترامب الأولى خارج دائرة التوتر الداخلي، قبل أن يتحول لاحقاً إلى نقطة انقسام مع صعود الخطاب الانعزالي وتغير المزاج داخل الأجيال الشابة من اليمين.
أسهم هذا المسار في تحويل ترامب إلى رمز مركزي للتحالف بين ماغا وإسرائيل، إذ استقبلت القاعدة الإنجيلية قراراته المتعلقة بالقدس بوصفها إنجازاً دينياً وتاريخياً طال انتظاره، ورأت فيه منظمات مثل CUFI قائداً حقّق ما اعتبرته إخفاقاً مزمناً للإدارات السابقة. وفي الوقت نفسه، وجد كبار المموّلين اليهود المحافظين في ترامب شريكاً سياسياً قادراً على ترجمة أولوياتهم، سواء في مواجهة إيران أو في تثبيت مواقف أمريكية أكثر انسجاماً مع مطالب الحكومات الإسرائيلية. وعلى مستوى الخطاب العام، لعب الإعلام المحافظ السائد، من برامج فوكس نيوز إلى منصات «ديلي واير»، دوراً محورياً في ترسيخ صورة ترامب كأوفر الرؤساء دعماً لإسرائيل، مقدّماً إياه باعتباره الحليف الأكثر ثباتاً لتل أبيب بعد سنوات من السياسات التي وُصفت داخل اليمين بالتردد أو التراجع.
مع ذلك، لم يكن معسكر ماغا كتلة متجانسة على الإطلاق. فمنذ اللحظة الأولى، حمل التيار في داخله توتراً بنيوياً بين الشعار الانعزالي «أمريكا أولاً» الذي يعِد بتقليص الحروب والالتزامات الخارجية، وبين الإرث الجمهوري التقليدي القائم على تحالف وثيق مع إسرائيل وشبكات الضغط المرتبطة بها. وإلى جانب هذا التوتر، برزت في أطراف المشهد أصوات من «اليمين البديل» وبعض الدوائر القومية البيضاء تبنت مواقف ناقدة لإسرائيل أو حتى معادية لليهود، وهي أصوات جرى تهميشها رسمياً من قبل قيادات ماغا، لكنها ظلت فاعلة في الفضاء الرقمي وبين الشرائح الشبابية الأكثر راديكالية. لم تتبلور هذه التناقضات آنذاك في صورة انقسام سياسي واضح أو تصويت مختلف داخل الحزب، لكنها شكّلت طبقة تحتية من التوترات التي ستجد مجالاً للتعبير لاحقاً عندما تغيّرت الظروف السياسية والإقليمية، ولا سيما مع حروب أوكرانيا وغزة وما رافقها من إعادة اصطفاف داخل اليمين الأمريكي.
بوادر التحول قبل حرب غزة – التوترات الجيلية واللاهوت والإرهاق من الحروب
قبل انفجار حرب الإبادة على قطاع غزة، ظهرت مؤشرات بحثية مبكرة على أن الإجماع الجمهوري المؤيد لإسرائيل ربما لا يكون صلباً كما يبدو من الخارج، خاصة عند النظر إلى الأجيال الشابة. كشفت استطلاعات الرأي التي نفذها شِبلي تلحمي وفريقه بجامعة ميريلاند، إلى جانب استطلاعات نفذتها مؤسسة «بارنا» بين الشباب الإنجيليين، عن تراجع كبير في مستوى الدعم لإسرائيل داخل هذه الفئة. ففي دراسة منشورة عام 2021، أظهر تلحمي أن نسبة الشباب الإنجيليين الذين يصرحون بأنهم يؤيدون إسرائيل في الصراع انخفضت من نحو 75 في المئة عام 2018 إلى حوالى 34 في المئة عام 2021، بينما ارتفعت نسبة من يؤيدون الفلسطينيين أو يرفضون الانحياز لأي طرف. [6]
هذه الأرقام كانت مثيرة للانتباه لأنها تناقض الصورة السائدة عن الإنجيليين ككتلة دينية-سياسية متجانسة في دعمها المطلق لإسرائيل. وقد فسّر تلحمي وغيره هذه الظاهرة بمجموعة عوامل؛ من بينها تعرض الأجيال الشابة لخطابات حقوقية وكونية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتراجع التدين المؤسسي مقارنة بتدين الأجيال الأكبر، ووجود حساسيات جديدة تجاه قضايا الظلم العرقي والتمييز، ما يسهل بناء تشابهات بين تجربة الفلسطينيين وتجارب جماعات أخرى مثل السود في الولايات المتحدة.[7]
إلى جانب العامل الجيلي والديني، كان الإرهاق من الحروب الطويلة في العراق وأفغانستان يتسلل بعمق إلى وجدان قطاعات عديدة من الجمهور الأمريكي، بما فيها قاعدة ماغا ، حيث رأى كثير من أنصار ترامب أن هذه الحروب استنزفت موارد البلاد وأضرت بالطبقات العاملة التي تشكل قلب الحركة. لهذا وجد انتقاد ترامب الصريح لحرب العراق، واتهامه للنخبة الجمهورية التقليدية – الموصوفة برموز «المحافظين الجدد» – بأنها جرّت الولايات المتحدة إلى مغامرات خارجية مكلفة، صدى قوياً لدى جمهوره. وقد ترافق هذا الإرهاق مع إحساس اقتصادي متزايد بأن التحالفات الواسعة، والإنفاق الدفاعي في الخارج، يأتون على حساب تحسين أوضاع الداخل، وفرص العمل، والبنية التحتية، والرفاه الطبقي للناخب الأبيض من الطبقة العاملة. ورغم أن هذا المزاج الانعزالي لم يتحول في البداية إلى موقف مباشر مناوئ لإسرائيل، فإنه أسّس إطاراً فكرياً جديداً باتجاه مساءلة جدوى أي التزام خارجي لا يقدم فائدة ملموسة للمواطن الأميركي.
ومع انتقال الرئاسة إلى جو بايدن، برز هذا المزاج بقوة أكبر في معارضة شريحة واسعة من اليمين الشعبوي لدعم الولايات المتحدة لأوكرانيا، إذ عُدَّت الحرب هناك مثالاً إضافياً على الإنفاق الخارجي غير الضروري، وتعميق الأولويات العالمية على حساب الأزمات الاقتصادية المحلية. هذه اللحظة سمحت لخطاب «أمريكا أولاً» بأن يتحول من مجرد نقد تاريخي لحرب العراق إلى اعتراض واسع على استمرار الإنفاق الخارجي، وفتحت الباب أمام ربط التحالفات التقليدية – ومنها العلاقة الخاصة مع إسرائيل – بسؤال جديد: ماذا تربح أمريكا فعلياً من هذه الالتزامات، وما الثمن الذي يدفعه المواطن في الداخل؟
حرب غزة كصدمة كاشفة - تحولات في الرأي العام وانقسامات يمينية
شكّلت حرب إسرائيل الابادية على قطاع غزة التي اندلعت بعد هجوم «طوفان الأقصى» في أكتوبر 2023 نقطة تحوّل مفصلية في اتجاهات الرأي العام الأمريكي وفي الجدل الداخلي داخل اليمين المحافظ. في الأسابيع الأولى للحرب، أظهرت استطلاعات عدة أن أغلبية الأمريكيين، بما في ذلك نسبة كبيرة من الديمقراطيين، رأت أن مسؤولية اندلاع المواجهة تقع بدرجة كبيرة على حماس، وأن لإسرائيل الحق في الرد العسكري. لكن مع اتساع نطاق الدمار وسقوط عشرات آلاف الضحايا في غزة، وتفاقم الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة، بدأت الأرقام تميل في الاتجاه المعاكس.[8]
بحسب استطلاع أجرته «غالوب» في مارس 2024، عبر غالبية الأمريكيين لأول مرة عن عدم رضاهم عن أداء إسرائيل العسكري في غزة، وانخفضت نسبة من يصرّحون بتأييدهم للعمليات العسكرية إلى أقل من النصف. [9] وفي استطلاع أحدث أجرته المؤسسة نفسها في يوليو 2025، لم تتجاوز نسبة الأمريكيين الذين قالوا إنهم يدعمون العمل العسكري الإسرائيلي في غزة 32 في المئة، مقابل أغلبية تميل إلى الرفض أو عدم التأييد. كما تراجع مستوى التعاطف الكلي مع إسرائيل في الصراع إلى نحو 46 في المئة، وهو أدنى مستوى منذ ربع قرن على الأقل في سلسلة قياسات «غالوب»، بينما ارتفعت نسبة المتعاطفين مع الفلسطينيين إلى حوالي الثلث.[10]
استطلاعات أخرى، مثل تلك التي أجراها «مجلس شيكاغو للشؤون العالمية»، أظهرت أن نسبة متزايدة من الأمريكيين، وخصوصاً بين الديمقراطيين والمستقلين، تعتقد أن الولايات المتحدة «تدعم إسرائيل أكثر مما ينبغي» في هذه الحرب، وأن هناك تقصيراً في الدعم الإنساني لمدنيي غزة. وأظهر استطلاع نشره موقع «Responsible Statecraft» أن 41 في المئة من الأمريكيين يوافقون على أن إسرائيل ترتكب أفعالاً يمكن وصفها بالإبادة أو «الإبادة الجماعية»، وأن التغير في مواقف الشباب الجمهوريين كان «مذهلاً» بحسب تعبير الباحث المشرف على الاستطلاع، حيث لم تتجاوز نسبة المتعاطفين مع إسرائيل بين الجمهوريين من عمر 18 إلى 34 عاماً 24 في المئة، مقارنة بنحو 52 في المئة بين الجمهوريين الأكبر سناً.[11]
ورغم هذه التحولات، بقي الانقسام الحزبي التقليدي قائماً، إذ حافظ الجمهوريون إجمالاً على مستويات تعاطف أعلى مع إسرائيل مقارنة بالديمقراطيين، لكن الفجوة بين كبار السن والشباب داخل الحزب الجمهوري صارت لافتة وفي اتساع مستمر. بعض استطلاعات «غالوب» وتحليلات «بروكينغز» و«جامعة ميريلاند» تشير إلى أن تآكل الدعم لإسرائيل يمضي بوتيرة أسرع بين الشباب في الحزبين، وأن جزءاً من الناخبين الشباب المتعاطفين مع ماغا يجمعون بين مواقف محافظة ثقافياً واجتماعياً في السياق المحلي الأميركي من جهة، وميل أكبر إلى التشكيك في جدوى الحروب والتحالفات المكلفة في الخارج، بما في ذلك التحالف مع إسرائيل، من جهة أخرى.[12]
لقد كشفت حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، إلى جانب امتداد العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى بلدان أخرى في الشرق الأوسط، عن تمايز واضح بين مستويين داخل اليمين الأمريكي. فمن جهة، التزمت القيادة الجمهورية التقليدية – سواء في الإدارة أو في الكونغرس، إضافة إلى رموز التيار المحافظ من إعلاميين ودعاة ومفكرين – بخطاب داعم لإسرائيل دون تحفظ، مؤكدة أولوية التحالف التقليدي ومبررة مسار الحرب. ومن جهة أخرى، برزت داخل الإعلام الشعبوي والشبكات الاجتماعية المرتبطة بتيار ماغا أصوات مؤثرة أخذت تشكك في هذه السياسات، مستخدمة لغة نقدية غير مسبوقة تجاه إسرائيل والجهات الداعمة لها داخل الولايات المتحدة، ما كشف عن بوادر انقسام داخلي يتجاوز ما كان مألوفاً في المراحل السابقة. لقد أصبح المشهد يتجاوز مجرد أصوات متمرّدة على هامش المعسكر المحافظ، ليتحوّل إلى ظاهرة أكثر رسوخاً وتأثيراً؛ وهو ما يستدعي التوقف عند أبرز الوجوه التي تمثل هذا التحوّل اليوم، واستعراض حجم حضورها ونطاق تأثيرها داخل قاعدة ماغا واليمين الأمريكي الأوسع.
الفاعلون الرئيسيون في التحول داخل ماغا
يتصدر المشهد في هذا التحول عدد من الشخصيات الإعلامية والسياسية التي تحظى بمتابعة واسعة في أوساط ماغا. قد يكون أبرزهم الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون، الذي كان لسنوات نجم شبكة «فوكس نيوز» الأول، ثم غادرها في أبريل 2023 في سياق تراكم توترات داخلية مع الإدارة، كان من أبرزها خلافه المتصاعد مع خط الشبكة المتوافق مع الموقف الجمهوري التقليدي الداعم لأوكرانيا. فقد تبنى كارلسون موقفاً نقدياً حاداً من الانخراط الأمريكي في الحرب، وهاجم باستمرار المساعدات العسكرية لكييف، ما وضعه في مواجهة غير مباشرة مع توجهات الإدارة التحريرية لفوكس ومع تيار مؤثر داخل الحزب الجمهوري. ومع اقتراب تسوية قضية «دومينيون» وما رافقها من ضغوط تنظيمية على الشبكة، اعتُبر كارلسون عبئاً يصعب ضبطه، فكان القرار بإنهاء التعاقد معه. وبعدها أطلق شبكته الخاصة المسماة بـ Tucker Carlson Network، واعتمد على منصة «إكس» في نشر وترويج برنامجه الرئيسي الذي واصل من خلاله تقديم محتوى معادٍ للتدخل الأمريكي في أوكرانيا وبدء يتطرق من خلاله لما يحصل في فلسطين، بالإضافة الى مقارباته المحافظة للقضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المحلية.[13]
مع أن كارلسون معروف منذ أعوام بنزعته النقدية تجاه الحروب الخارجية، لكنه بعد حرب غزة أصبح أكثر راديكالية في نقد الدعم اللامشروط لإسرائيل، وبدأ يستضيف ضيوفاً من فلسطين، من بينهم القس الفلسطيني منذر إسحق من بيت لحم، الذي استضافه كارلسون على برنامجه في ابريل/نيسان ٢٠٢٤. وصف إسحاق الحرب على غزة بأنها «إبادة» ضد المدنيين ودعا المسيحيين إلى إعادة النظر في علاقتهم بإسرائيل والصهيونية.[14] هذه المقابلة وحدها حصدت ملايين المشاهدات وعشرات آلاف التعليقات، وأثارت غضباً عارماً في أوساط مؤيدي إسرائيل، بما في ذلك نواب جمهوريون اتهموا كارلسون بترويج «دعاية معادية لإسرائيل». [15]
شخصية أخرى مثيرة للجدل في هذا السياق هي كانديس أوينز، المعلقة اليمينية الشابة التي برزت في أوساط ماغا في السنوات الأخيرة، وكانت حتى 2024 أحد الوجوه الرئيسة لموقع «ديلي واير» الذي يملكه المعلق اليهودي المحافظ – والصهيوني المتطرف -- بن شابيرو.[16] بعد 7 أكتوبر، بدأت أوينز تستخدم منصاتها للهجوم على إسرائيل بشدة، مركزة على صور الدمار في غزة، ومستخدمة لغة حادة تتهم الحكومة الإسرائيلية بارتكاب «إبادة جماعية». نشب خلاف علني بينها وبين شابيرو عبر منصات التواصل؛ إذ اتهمها الأخير بالتقليل من شأن معاداة السامية والترويج لنظريات مؤامرة، بينما ردّت عليه باتهامات مضادة تتعلق بالولاء المفرط لإسرائيل وعدم الاهتمام بمعاناة الفلسطينيين. في مارس 2024، أعلنت منصة «ديلي واير» إنهاء العلاقة مع أوينز، واعتبرتها منظمة مراقبة معاداة السامية «Stop Antisemitism» لاحقاً «مُعادِية للسامية للعام».
المفارقة أن هذا الإبعاد لم يُنهِ تأثير أوينز، بل دفعها إلى إنشاء منصة مستقلة وبرنامج خاص بها يحصد ملايين المشاهدات شهرياً، ما يتيح لها الحديث بحرية أكبر عن اللوبي الصهيوني، وعن جرائم إسرائيل في غزة وعن ضرورة وقف المساعدات العسكرية لاسرائيل.[17] هنا يبرز جانب مهم: خروج بعض الأصوات اليمينية المؤثرة من مؤسسات إعلامية مرتبطة بممولين محافظين تقليديين، بات يمنحها استقلالية مالية وسياسية تسمح بتبني مواقف أكثر تحدياً للخط المؤيد لإسرائيل دون الخوف من العقاب المؤسسي. وبهذا أصبحت منصات الإعلام البديل فضاءً موازياً يمنح الإعلاميين والمؤثرين، الذين يتعرضون للعقاب المؤسسي أو فسخ العقود بسبب مواقف تخالف الخطوط السائدة في المؤسسات التقليدية، مساحة آمنة للتعبير واستعادة جمهورهم، بل وتحقيق مستويات من المتابعة والتأثير تفوق أحياناً ما كانوا يحظون به داخل المؤسسات التقليدية نفسها.
ضمن هذا المشهد أيضاً، يبرز ستيف بانون بوصفه أحد أهم منظري ماغا ممن تجسّد فيهم هذا التحول المركّب. فبانون الذي قدّم نفسه في 2017 أمام منظمة «Zionist Organization of America» باعتباره «مسيحياً صهيونياً فخوراً» ودافع بقوة عن سجل ترامب المؤيد لإسرائيل، عاد بعد حرب غزة وحرب الأيام الاثني عشر مع إيران ليقدّم خطاباً مختلفاً بحدة؛ إذ أعلن في مقابلات وتصريحات متكررة أن إسرائيل «ليست حليفاً» بالمعنى التقليدي، بل أقرب إلى «محمية» تعتمد على الولايات المتحدة[18]، وأن «الحرب انتهت» ولن يكون هناك مزيد من الانخراط العسكري الأميركي، داعياً إلى وقف أي مسار نحو تغيير الأنظمة في المنطقة ومطالباً إسرائيل بأن تكون «إسرائيل أولاً» كما يجب أن تكون الولايات المتحدة «أمريكا أولاً».[19] هذا التحول لا يعني أن بانون أصبح أقل تطرفاً اجتماعياً أو أكثر ليبرالية؛ فهو ما زال متشدداً في قضايا الهجرة والثقافة، لكنه يعكس إدراكاً عميقاً لتحول مزاج قاعدة ماغا حول الحروب والتحالفات، ومحاولة لإعادة ترجمة هذا المزاج في لغة «أمريكا أولاً» الجديدة. وفي برنامجه «War Room» يفتح بانون مساحة متزايدة أمام أصوات من تيار «الواقعية والضبط» مثل كيرت ميلز، المدير التنفيذي لمجلة «The American Conservative»، وهي مجلة يمينية محافظة تبنت منذ سنوات نقداً صريحاً لمغامرات ما بعد 11 سبتمبر، ونشرت في الآونة الأخيرة مقالات وتحليلات تدين الحرب على غزة وتناقش اتهامات الإبادة وتدعو إلى استخدام النفوذ الأميركي للضغط على إسرائيل ووقف المساعدات العسكرية.[20]
إلى جانب هذا المحور الفكري والإعلامي، تظهر شخصيات سياسية وإعلامية أخرى داخل الفضاء الماغاوي تساعد في توسيع دائرة النقد المحافظ لإسرائيل، مثل النائب الجمهوري السابق مات غيتز الذي يجمع بين صورة «المتمرّد» داخل الكتلة الجمهورية ومواقفه المتشددة ضد التورط في حروب الخارج والصفقات الدفاعية العملاقة،[21] والكوميدي والناشط الليبرتاري ديف سميث الذي بنى جمهوره عبر بودكاستات وبرامج تنتقد التدخلات العسكرية الأميركية من منظور مبدئي رافض للمساعدات الخارجية، بما في ذلك لإسرائيل،[22] وأخيراً ميغن كيلي، الإعلامية المحافظة ونجمة فوكس السابقة التي تحولت منصتها الرقمية إلى ساحة سجال مع مؤيدين بارزين لإسرائيل داخل اليمين، بما فيهم بن شابيرو وغيره حول حدود «حرية التعبير» عندما يتعلق الأمر بنقد إسرائيل.[23] تشكل هذه الأسماء مجتمعة شبكة متداخلة من الأصوات الفكرية والإعلامية والسياسية التي تعد من رموز الحركة المحافظة في الولايات المتحدة، وباتت تطرح أسئلة غير مسبوقة داخل المعسكر ذاته عن معنى التحالف مع إسرائيل وحدوده وكلفته على مشروع «أمريكا أولاً».
على المستوى السياسي المباشر، بدأ عدد محدود من أعضاء الكونغرس الجمهوريين، خصوصاً من الجناح الأكثر تشدداً في مجلس النواب، بالتصويت ضد بعض مشاريع القوانين التي تفرض مساعدات جديدة لإسرائيل أو تساوي بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية. هذه الأصوات، مثل مارجري تايلور غرين وتوماس ماسي، ما زالت صغيرة نسبياً، لكنها تعبّر عن حالة جديدة؛ إذ لم يكن مألوفاً خلال عقود أن يصوت نواب جمهوريون ضد حزم مساعدات لإسرائيل بدوافع تتعلق بـ «أمريكا أولاً» أو الاعتراض على «التضييق على حرية التعبير» في الجامعات، مع بقاءهم في الوقت ذاته على يمين الحزب في ملفات أخرى مثل الهجرة أو حقوق الأقليات. بدورها، أعلنت مارجوري تايلور غرين أنها ستستقيل من الكونغرس ابتداءً من 5 كانون الثاني/يناير 2026، بعد قطيعة علنية مع دونالد ترامب قادته إلى سحب دعمه ووصفها بـ«الخائنة» و«المختلة» على خلفية خلافات حول ملفات إبستين، والسياسة الخارجية، وقضايا داخلية أخرى.[24]
وأشارت غرين في بيانها المصوَّر إلى أنها لا تريد لولايتها أن تخوض «انتخابات تمهيدية مؤذية وكريهة» ضد مرشح مدعوم من ترامب، وأنها تشعر بأن الكونغرس جرى «تهميشه» وأن قيادة الحزب الجمهوري تخلّت عن أولويات «أمريكا أولاً» التي انتُخبت على أساسها.
إلى جانب هذه الأسماء، توجد تيارات أكثر تطرفاً في الهوامش، مثل «الغرويبرز» وبعض القوميين البيض، الذين يجاهرون بعداء صريح لليهود ويقدّمون معارضتهم لإسرائيل على أنها جزء من مشروع «استعادة أمريكا البيضاء».[25] هذا التيار يجذب جزءاً من الشباب الساخط، لكنه يظل مرفوضاً في الخطاب الرسمي لماغا، وإن كانت الحدود بينه وبين التيار الشعبوي الأوسع تصبح أحياناً ملتبسة في فضاءات الإنترنت، حيث تختلط الشعارات القومية بمواقف عنصرية فجة أو معادية للسامية.
العوامل البنيوية المفسّرة للتحول
يمكن فهم التحول الجاري في موقف ماغا واليمين المحافظ من إسرائيل باعتباره نتاج تفاعل معقد لعدة مستويات من العوامل، لا مجرد استجابة ظرفية لحرب غزة وحدها، مع كون حرب الإبادة أسهمت في سرعة بروز التوترات الكامنة الى السطح. على المستوى الفكري والسياسي، برز في العقد الأخير تيار يميني «انعزالي» يرى أن الولايات المتحدة أُنهكت من «الحروب اللانهائية» في الشرق الأوسط وأفغانستان، وأن تحالفاتها العسكرية والمالية الواسعة تستنزف موارد كان يمكن أن تُوجَّه إلى الداخل. في هذا الإطار، تُدرَج إسرائيل أحياناً كجزء من شبكة تحالفات «العولمة الليبرالية» التي يرفضها تيار ماغا؛ إذ تُربط المساعدات العسكرية لإسرائيل بالمساعدات لأوكرانيا أو للناتو، ويتم تصويرها كحِمل على دافع الضرائب الأمريكي العادي.
في الآن ذاته، يواصل كثير من هؤلاء انتقاد تيار «المحافظين الجدد» الذي لعب دوراً محورياً في الدفع نحو غزو العراق وسياسات التدخل في المنطقة، ويرون أن اللوبيات المؤيدة لإسرائيل كانت جزءاً من تلك المنظومة التي جرّت البلاد إلى مغامرات خاسرة. هذا النقد لا يترجم دائماً إلى عداء لإسرائيل بذاتها، لكنه يفتح الباب لتساؤلات حول ما إذا كان التحالف الأمريكي الإسرائيلي مقدساً فعلاً أم مجرد سياسة يمكن مراجعتها مثل غيرها.
على المستوى الديموغرافي والجيلي، تتقاطع بيانات «غالوب» و«بروكينغز» و«جامعة ميريلاند» لتبين أن الأجيال الشابة، في الحزبين، أقل تعاطفاً مع إسرائيل من الأجيال الأكبر، وأكثر استعداداً للتعاطف مع الفلسطينيين أو تبني موقف «عدم الانحياز».[26]هذا التوجه واضح على نحو خاص بين الشباب الإنجيليين: فبعد أن كان دعم إسرائيل بين هذه الفئة يقارب ثلاثة أرباع المستطلَعين عام 2018، هبط إلى نحو ثلث فقط في استطلاعات لاحقة، مع ارتفاع نسبي في تعاطف بعضهم مع الفلسطينيين وازدياد نسبة من يرفضون الانحياز لأي طرف.[27] يتزامن هذا مع تراجع التدين المؤسسي عامة في المجتمع الأمريكي كما سبقت الإشارة، وهو ما يعني أن خزّان المؤيدين التقليديين لإسرائيل -الإنجيليون المحافظون- يتعرض لضغوط مزدوجة: تراجع نسبي في الوزن العددي، وتحوّل في مواقف الشريحة الشابة داخلهم.
إلى جانب ذلك، تلعب البنية الإعلامية الجديدة دوراً مركزياً. فالإعلام المحافظ لم يعد محصوراً في قنوات مثل «فوكس نيوز» أو صحف تقليدية، بل توسّع ليشمل شبكة واسعة من البودكاستات والقنوات الرقمية التي تدار بشكل مستقل، وتستمد تمويلها من الاشتراكات الفردية والدعاية المباشرة، لا من إعلانات شركات كبرى أو شبكات تلفزة لديها حسابات سياسية معقدة. هذا يمنح بعض مقدمي البرامج حرية أكبر في تحدي «الخط الرسمي» المؤيد لإسرائيل، كما رأينا مع كارلسون وأوينز وغيرهما. قدرة هذه المنصات على إنتاج مقاطع قصيرة قابلة للمشاركة السريعة تجعلها مؤثرة بشكل خاص في الأجيال الشابة التي لا تتابع الأخبار عبر التلفاز التقليدي.
العامل الأخلاقي-العاطفي لا يقل أهمية. فصور الدمار في غزة، وتقارير المنظمات الأممية والحقوقية عن الجوع والقصف المتكرر للمستشفيات والمدارس، خلقت صدمة وجدانية عالمية، لم تستثنِ الجمهور المحافظ بالكامل. استطلاع Responsible Statecraft الذي أُشير إليه سابقاً يكشف أن نسبة معتبرة من الأمريكيين -بمن فيهم بعض الجمهوريين الشباب- لا يستبعدون وصف ما يجري بأنه إبادة، وأنهم يرون ارتباطاً بين الدعم الأمريكي غير المشروط وبين استمرار المأساة.[28] هذه اللغة لم تكن مألوفة في اليمين الأمريكي قبل سنوات قليلة، ما يعني أن حرب غزة سمحت باقتحام مفردات كانت محصورة في الأوساط اليسارية أو الحقوقية إلى قلب النقاش اليميني.
حجج وخطاب اليمين المعادي/الناقد لإسرائيل اليوم
يمكن تلخيص خطاب اليمين المعادي أو الناقد لإسرائيل داخل ماغا والتيارات القومية والليبرتارية في مجموعة من المقولات الأساسية أو الـ talking points التي تتكرر بصيغ مختلفة، وتتقاطع حول فكرة مركزية واحدة: أنّ الدعم غير المشروط لإسرائيل لم يعد من المسلّمات، بل يجب أن يُخضَع لمعيار «مصلحة أمريكا أولاً».
أولاً، هناك الحجّة القومية–الاقتصادية: يركّز هذا الخطاب على كلفة التحالف مع إسرائيل، فيطرح أسئلة مثل: «لماذا نمول حدود دولة أخرى بينما حدودنا الجنوبية مفتوحة؟» أو «لماذا تُرسل مليارات الدولارات إلى تل أبيب فيما البنية التحتية الأمريكية منهارة؟». هنا تُقدَّم المساعدات لإسرائيل كجزء من شبكة أوسع من الإنفاق الخارجي (أوكرانيا، الناتو، المساعدات الأجنبية) يجري تصويرها كعبء على دافع الضرائب الأمريكي، خصوصاً الطبقة العاملة البيضاء التي تراها ماغا قاعدتها الأساسية. ينطلق هذا التيار من شعار «أمريكا أولاً» ليقول إن أي دولار لا يعود بفائدة مباشرة على الداخل هو خيانة لهذا الشعار، وإسرائيل ليست استثناءً في ذلك[29].
ثانياً، ثمة الحجّة المناهضة للحروب والانخراط الخارجي: هذا الخطاب يقدّم إسرائيل كإحدى البوابات التي جُرّت عبرها الولايات المتحدة إلى حروب الشرق الأوسط، من العراق إلى المواجهات مع إيران. أصحاب هذا المنطق يربطون بين نفوذ «المحافظين الجدد» ودور اللوبيات المؤيدة لإسرائيل في صناعة قرار الحرب، ويستخدمون تجربة العراق وأفغانستان دليلاً على أن التحالفات الأيديولوجية مع حلفاء في الشرق الأوسط تقود في النهاية إلى كوارث إنسانية ومالية وسياسية على الولايات المتحدة. هنا يتم تصوير استمرار الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل – خصوصاً في ظل حرب غزة الأخيرة – كامتداد لـ«حروب لا نهائية» يرفضها التيار الشعبوي القومي[30].
ثالثاً، هناك الحجّة الأخلاقية–الإنسانية، وهي جديدة نسبياً في اليمين لكنها تعزّزت مع صور الإبادة والدمار في غزة: بعض الأصوات اليمينية، خاصة بين الشباب والإنجيليين الصاعدين، باتت تتحدث بلغة حقوقية صريحة عن جرائم حرب، وحصار وتجويع، وقتل مدنيين، وتطرح سؤالاً أخلاقياً مباشراً: «كيف يمكن لبلد يقول إنه مسيحي أو محافظ أن يغضّ النظر عن هذا الحجم من المعاناة؟». هذا النوع من الخطاب لا يتبنى بالضرورة سرديات اليسار، لكنه يكسر التابو القديم القائل إن انتقاد إسرائيل أخلاقياً خط أحمر في اليمين[31].
رابعاً، الحجّة المعادية للعولمة والنخبة: في هذه الرؤية تُدمج إسرائيل داخل منظومة أوسع تضم «وول ستريت»، و«وادي السيليكون»، والمؤسسات الأمنية، والإعلام الليبرالي، والاتحاد الأوروبي… إلخ. يُقدَّم اللوبي المؤيد لإسرائيل كجزء من شبكة نفوذ عالمية تتحكم بالأجندة الأمريكية وتمنع أي سياسة حقيقية «لصالح الشعب». هنا يصبح نقد إسرائيل أحياناً مجرّد بوابة لنقد أوسع للنخبة الحاكمة، وفي بعض الأحيان ينزلق هذا الخطاب إلى تلميحات أو مقولات معادية لليهود تتبنّى لغات المؤامرة التقليدية حول «المال والإعلام»، وإن حاول بعض رموز ماغا التمييز لفظياً بين «اليهود» و«اللوبي الإسرائيلي».[32]
خامساً، هناك الحجّة الليبرتارية: هذه تنطلق من رفض عام لكل أشكال المساعدات الخارجية والتدخلات، وتضع إسرائيل في السلة نفسها مع أوكرانيا، ومصر، والأردن، ودول أخرى. هنا لا يجري استهداف إسرائيل لأسباب دينية أو عرقية، بل باعتبارها حالة نموذجية لدولة تعتمد على دعم دائم من الخزانة الأمريكية بما يخالف، في رأيهم، روح الدستور ومبدأ «الدولة المحدودة».[33]
وأخيراً، هناك حجّة «كسر القداسة»: جزء من خطاب هذا اليمين لا يقول فقط «لا للمساعدات المالية والعسكرية»، بل يصر على أن إسرائيل يجب أن تُعامل كأي دولة أخرى: يمكن نقدها، التشكيك في نوايا حكوماتها، بل وحتى مساءلة شرعية تحالفها مع أمريكا، دون أن يُتَّهَم صاحب هذا النقد تلقائياً بمعاداة السامية أو بالخيانة. هذه النقطة بالذات هي التي تجعل هذا التيار مختلفاً عمّا سبق؛ إذ لم يعد ينطلق من فرضية أن «إسرائيل حليف مقدّس ثم نناقش التفاصيل»، بل يعكس ترتيباً جديداً: «نناقش أولاً المصلحة الأمريكية، ثم نقرّر كيف ننظر إلى إسرائيل».[34]
بهذه المقولات يتبلور اليوم خطاب يميني معادٍ أو ناقد لإسرائيل، ينطلق من بوابات متباينة – أخلاقية، اقتصادية، مناهِضة للحرب، معادية للعولمة أو متأثرة بنزعات مؤامراتية – لكنه يتقاطع في نقطة أساسية: رفض استمرار «الاستثناء الإسرائيلي» داخل المخيال المحافظ الأمريكي، والمطالبة بإخضاع هذا الملف لمنطق الصراع الداخلي على معنى «أمريكا أولاً» وحدود التحالفات الخارجية.
تفاعلات اللوبيات المؤيدة لإسرائيل والمؤسسات المحافظة مع التحول
أمام هذه التحولات، لم تقف المنظومة المؤيدة لإسرائيل مكتوفة الأيدي. على العكس، تشير معطيات الإنفاق السياسي والانتخابي في السنوات الأخيرة إلى تصاعد كبير في نشاط منظمات مثل «إيباك» (AIPAC) وذراعها الانتخابي (United Democracy Project)، التي أنفقت عشرات ملايين الدولارات في الدورات الانتخابية الأخيرة لدعم مرشحين موالين لإسرائيل في الحزبين، ومهاجمة مرشحين انتقاديين، خصوصاً في الجناح التقدمي من الحزب الديمقراطي.[35] في الجانب الجمهوري، يلعب «الائتلاف اليهودي الجمهوري» (RJC) دوراً رئيسياً في الربط بين مانحين يهود كبار والحزب الجمهوري، وتشير تقارير إلى إنفاقه ملايين الدولارات على الدعاية الانتخابية في ولايات متأرجحة، مع تركيز واضح على حماية المرشحين الموالين لإسرائيل.
على الضفة الإنجيلية، تواصل منظمات مثل CUFI تقديم نفسها كأكبر تنظيم صهيوني في الولايات المتحدة، مع أكثر من عشرة ملايين عضو ومؤتمر سنوي يجمع آلاف القساوسة والنشطاء للقاء أعضاء الكونغرس والضغط من أجل تشريعات داعمة لإسرائيل، بما في ذلك قوانين لتجريم أو تقييد حملات المقاطعة (BDS) وقرارات تساوي بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية. هذه المنظمات تنقل إلى جمهورها رواية تركز على أن المسيحية الحقيقية تقتضي الوقوف مع إسرائيل، وأن معارضة سياسات تل أبيب تكاد تكون مرادفة للعداء للدين نفسه، مع توظيف كثيف لنصوص دينية تَعِد بمباركة من «يباركون شعب الله».
أما المحور الثالث فيتمثل في الاستثمار في القيادات الشابة المحافظة التي تلتزم بالخط المؤيد لإسرائيل، سواء في الكونغرس أو في الإعلام أو في الجامعات، وتقديمها بوصفها «نموذجاً للمحافظ المعاصر» الذي يجمع بين الدفاع عن الهوية الأمريكية التقليدية وبين الولاء للتحالف مع إسرائيل. في الوقت ذاته، يدور نقاش داخل بعض هذه المؤسسات حول كيفية التعامل مع البيانات التي تظهر تراجعاً في دعم إسرائيل بين الشباب؛ فبعض الأصوات تنادي بإعادة النظر في اللغة المستخدمة لتكون أقل حدّة، أو بفتح هامش لسماع الانشغالات الأخلاقية للجمهور الشاب حول غزة، فيما يصر آخرون على أن أي تراجع الآن سيُقرأ باعتباره ضعفاً واستسلاماً أمام تيارات اليسار العالمي.
من جهة إسرائيل الرسمية، يواصل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحكومات اليمين المتعاقبة التركيز على تعميق العلاقات مع الحزب الجمهوري ومع المنظمات الإنجيلية، إلى درجة أن بعض الباحثين الإسرائيليين والأمريكيين حذروا من «تسييس» وشخصنة علاقة البلدين وتحويلها من علاقة ثنائية فوق حزبية إلى تحالف مع جناح واحد، ما يجعل دعم إسرائيل مرهوناً ببقاء هذا الجناح في السلطة. تصريحات نتنياهو في زياراته المتكررة لواشنطن، والتي يحذّر فيها من «حملة تشويه منسقة ضد إسرائيل على وسائل التواصل» ويحمّلها مسؤولية تراجع التعاطف الشعبي، تعكس إدراكاً متزايداً داخل إسرائيل بأن المعركة على الرأي العام الأمريكي، بما في ذلك داخل اليمين، لم تعد محسومة كما كانت في الماضي.[36]
ما تحدث عنه نتنياهو بشأن ضرورة مواجهة ما وصفه بـ«تشويه صورة إسرائيل» على الإنترنت انعكس عملياً في تحرّكات حلفائه داخل الولايات المتحدة، الذين سارعوا إلى محاولة استعادة النفوذ عبر جهود مزجت بين الاستحواذ على المؤسسات الإعلامية وشركات تكنولوجيا المعلومات بهدف التحكم في السردية وإعادة ضبط الخطاب بما يصب في مصلحة إسرائيل وحلفائها. في هذا السياق جاء تعيين الناشطة باري وايس في شبكة CBS News مثالاً بارزاً على هذا التوجه؛ فوايس، المعروفة بتوجهاتها الصريحة في دعم إسرائيل ومهاجمة الأصوات المنتقدة لها، جرى استقدامها إلى موقع مؤثر داخل إحدى أكبر الشبكات الإخبارية الأمريكية في خطوة تُقرأ على أنها محاولة لإعادة ضبط الخط التحريري في مرحلة يتراجع فيها التأييد لإسرائيل بين فئات واسعة، بما في ذلك داخل القاعدة اليمينية الشابة.[37]
جاء تعيين وايس في هذا المنصب الحساس ضمن تغييرات بنيوية أوسع، كان اكبر الأمثلة عليها صفقة استحواذ شركة MediaSkydance بقيادة ديفيد إليسون على شبكة Paramount — الشركة الأم لـ CBS — دوراً مركزياً في إعادة تشكيل ملكية إحدى أهم المؤسسات الإعلامية، بدعم وتأثير من والد ديفيد المليايردير لاري إليسون المؤيد لإسرائيل. بالتزامن، برزت معارك تنظيمية واقتصادية حول منصات مثل TikTok، ما يشير إلى أن التنافس على النفوذ الإعلامي والمعلوماتي بات جزءاً من الصراع الأوسع على كيفية تشكيل الرأي العام الأمريكي تجاه إسرائيل. من خلال هذا الخليط من التعيينات الإعلامية والصفقات التقنية والاستثمارات المالية، تعيد الشبكات المؤيدة لإسرائيل بناء نفوذ قديم بصيغة جديدة قادرة على مواجهة التحولات الصاعدة داخل الولايات المتحدة، ومحاولة تثبيت خطاب داعم لإسرائيل في لحظة يبدو فيها المزاج الشعبي أقل انضباطاً وأكثر استعداداً لكسر التابوهات التقليدية.
ابستين، تشارلي كيرك، وفقدان السيطرة على السردية
رغم الجهود الحثيثة التي يبذلها مؤيدو إسرائيل لضبط السردية داخل الولايات المتحدة، تكشف طريقة تفاعل المجال العام الأمريكي مع قضيتي جيفري ابستين واغتيال تشارلي كيرك عن تحوّل بنيوي في ميزان القوة على إنتاج المعنى السياسي، سواء على مستوى المجتمع الأمريكي ككل أو داخل اليمين وحركة ماغا على وجه الخصوص. لسنوات طويلة، اعتُبرت المؤسسات الإعلامية الكبرى، إلى جانب اللوبيات المؤيدة لإسرائيل، قادرة على ضبط حدود النقاش حول القضايا الحساسة وتوجيه الرأي العام، إلا أن انفجار النقاشات حول ابستين ثم كيرك أظهر أن قدرة هذه المؤسسات على احتكار التأويل تراجعت بشكل واضح، وأن الفضاء الرقمي والتيارات الشعبوية باتت قادرة على إنتاج سرديات موازية لا يمكن احتواؤها بسهولة.
في حالة ابستين، بدأت القصة في الوعي العام كقضية استغلال جنسي لقاصرات وشبكات نخبوية من رجال المال والسياسة، لكنها سرعان ما تحولت في الخطاب الشعبي – خاصة في أوساط اليمين الرقمي – إلى عنوان أوسع يتجاوز الانتهاكات الفردية إلى الحديث عن الابتزاز السياسي والعمل الاستخباري العابر للحدود، واستخدام الجنس وسيلة لتوريط شخصيات نافذة. بعض الصحفيين والكتاب، ومن بينهم ماكس بلومنثال وآخرون، قدّموا قراءة تقول إن قضية ابستين أصبحت في نظر جزء من الجمهور الأمريكي مجازاً يختزل إحساساً بوجود شبكة نفوذ فوق-مؤسساتية مرتبطة باللوبي المؤيد لإسرائيل وبعلاقات معقدة مع أجهزة استخباراتية أجنبية. لقد تحول «ابستين» في المخيلة السياسية الشعبية، وخصوصاً في الهامش اليميني الشعبوي، إلى ساحة رمزية يُساءَل فيها النفوذ الإسرائيلي وتأثيره على النخب الأمريكية. إصرار قطاعات من قاعدة ماغا على إبقاء الملف مفتوحاً، والمطالبة بالكشف عن الوثائق والأسماء، جعل من القضية نقطة احتكاك متكررة بين سردية رسمية تسعى إلى غلق الملف، وسردية شعبوية ترى فيه مثالاً على تغوّل شبكات النفوذ المرتبطة بالعولمة واللوبيات المؤيدة لإسرائيل.[38]
أما في حالة تشارلي كيرك، مؤسس منظمة Turning Point USA وأحد أبرز وجوه اليمين المحافظ الشاب، فقد جاء اغتياله الصادم خلال فعالية طلابية عام 2025 ليشكّل لحظة انفجار سردي من نوع مختلف. فبينما سارع سياسيون وإعلاميون كُثُر إلى إدانة الاغتيال بوصفه تعبيراً عن تصاعد العنف السياسي في الولايات المتحدة، انطلقت في فضاءات ماغا وعلى منصات التواصل موجة من التأويلات والاتهامات المتبادلة. حاولت إسرائيل وبعض حلفائها توظيف حادثة اغتيال كيرك في إطار الصراع مع «اليسار الراديكالي» أو «الحركات المؤيدة للفلسطينيين». فقد سارع بنيامين نتنياهو إلى نشر بيانات وتسجيلات على منصة «إكس» يصف فيها كيرك بأنه «صديق شجاع القلب لإسرائيل» ومدافع عن «الحضارة اليهودية-المسيحية»، وأنه اغتيل لأنه «قال الحقيقة ودافع عن الحرية»، مقدِّماً إياه كرمز لسردية إسرائيلية-يمينية أميركية مشتركة، رغم أن تسريبات لاحقة أشارت إلى تحفظ كيرك المتزايد على سياسات حكومة نتنياهو والحرب على غزة، وإدراكه أن القاعدة الشبابية المحافظة التي كان مسؤولاً عن تنظيم قطاعات واسعة منها بدأت تتململ حيال مسألة دعم إسرائيل. في المقابل، ظهرت سريعاً سردية مضادة داخل جزء من اليمين نفسه، تجسدت خصوصاً في هجوم تاكر كارلسون الذي وصف رد فعل نتنياهو بأنه «مقزز» ومحاولة «لخطف ذكرى تشارلي» وتطويعها لخدمة أجندة إسرائيل، بالتوازي مع انفجار نظريات مؤامرة على اليمين تتهم إسرائيل أو حلفاءها في الولايات المتحدة بالضغط على كيرك في شهوره الأخيرة وتقرأ طريقة نعيه بوصفها جزءاً من معركة أوسع على الرأي العام اليميني. هذه السرديات ساهمت في تحويل مقتل كيرك إلى نقطة نقاش عن حدود نفوذ الممولين المؤيدين لإسرائيل داخل اليمين، وعن الثمن الذي يدفعه من يحاول فتح نقاش أكثر تحرراً حول إسرائيل داخل بنية محافظة تقليدياً.[39]
هاتان الحالتان مجتمعتان تبرزان كيف أن المؤسسات المؤيدة لإسرائيل – من لوبيات ومؤسسات إعلامية وممولين كبار – لم تعد قادرة على افتراض أن سرديتها ستكون تلقائياً السردية الوحيدة أو المهيمنة داخل المعسكر الجمهوري واليميني. فهناك اليوم، داخل ذلك المعسكر نفسه، تيارات وقواعد شبابية ومنصات إعلام بديل تنتج قراءات مختلفة، أحياناً متطرفة أو مؤامراتية، لكنها تعبّر في جوهرها عن فقدان الثقة في الرواية الرسمية، واستعداد متزايد لتحدي «المحرّمات» التي كانت تحيط بملف إسرائيل، سواء في قضايا الفساد والابتزاز كما في أبستين، أو في قضايا النفوذ والضغط كما في النقاشات التي رافقت اغتيال تشارلي كيرك.
الحملة المضادة داخل الحزب الجمهوري: ضبط الصدع باسم «محاربة معاداة السامية»
أمام التغيّر المتدرّج في مزاج القاعدة اليمينية، خاصة بعد حرب غزة، لم تكتفِ القيادة التقليدية للحزب الجمهوري ومؤسسات اللوبي المؤيد لإسرائيل بمتابعة المشهد من بعيد، بل أطلقت ما يمكن وصفه بحملة مضادة تهدف إلى إعادة ضبط حدود النقاش داخل الحزب وخارجه. هذه الحملة تُقدَّم في الخطاب العام بوصفها دفاعاً عن «حرية اليهود في عدم التعرّض للكراهية» ومحاربة معاداة السامية وحماية النظام الجامعي من «الفوضى»، لكنها تعمل عملياً كآلية قمع ناعمة لاحتواء التحولات داخل القاعدة، ولردع كل من يجرؤ من اليمين على الاقتراب من نقد إسرائيل أو مساءلة حجم النفوذ الذي تتمتع به في السياسة الأمريكية.[40]
يتجلّى هذا أولاً في المسار التشريعي والرمزي داخل الكونغرس؛ حيث دعم عدد من أبرز قادة الجمهوريين – بتحالف مع جناح «الصقور» الديمقراطي – قرارات وتصريحات تربط صراحة بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية، وتدين حركات المقاطعة وسحب الاستثمارات (BDS)، وتطالب الجامعات بضبط، إن لم يكن قمع، الأصوات الطلابية التي ترفع شعارات مؤيدة لفلسطين. هذه الخطوات تُقدَّم للجمهور كجزء من «معركة قيم» ضد الكراهية والعنف، لكنها تُستخدم في الممارسة العملية ترسانة سياسية وأخلاقية لإسكات النقد الجدي لإسرائيل، وتجعل أي نائب جمهوري يفكر في معارضة المساعدات أو التشكيك في الحرب على غزة عرضة لاتهامات جاهزة بأنه يوفّر غطاء لمعادي السامية أو لـ«مؤيدي الإرهاب».[41]
ثانياً، تظهر هذه الحملة في طريقة التعامل مع الاحتجاجات الطلابية والفضاء الجامعي. فاليمين المؤسسي كثيراً ما يدافع عن «حرية التعبير» حين يتعلق الأمر بخطاب محافظ أو ديني مثير للجدل، لكنه يميل إلى تأييد إجراءات عقابية وقمعية عندما يتعلق الأمر باعتصامات أو تظاهرات مؤيدة لفلسطين. يتم تصوير هذه الاعتصامات بوصفها بؤراً لمعاداة السامية أو دعماً لحماس، وتُستخدم هذه الصورة لمطالبة إدارات الجامعات بطرد الطلبة أو معاقبتهم أو حرمانهم من فرص التوظيف مستقبلاً عبر «القوائم السوداء» التي ترعاها مؤسسات مرتبطة برجال أعمال مؤيدين لإسرائيل. هنا يصبح خطاب «محاربة معاداة السامية» أداة عمليّة لإعادة تعريف مُسبق لما هو مسموح وغير مسموح في النقاش حول إسرائيل داخل الجامعات، حتى قبل النظر في مضمون ما يقوله المحتجون.
ثالثاً، وربما الأهم من وجهة نظر تحولات ماغا نفسها، تتجلى الحملة المضادة في كيفية التعامل مع الأصوات الخارجة من داخل المعسكر اليميني ذاته. قصة مارجوري تايلور غرين مثال مهم على الصدع المتعمق داخل الحزب الجمهوري. فجرين، النائبة الجمهورية التي صعدت أصلاً كإحدى أكثر الأصوات ولاءً لترامب وماغا، وبنت صورتها على المزاوجة بين قومية متشددة وخطاب ديني محافظ، تحولت – مع حرب غزة وتفاقم ملف إبستين – إلى واحدة من أبرز وجوه التمرد على البيت الأبيض الجمهوري والقيادة الحزبية معاً. حين بدأت غرين تنتقد الانخراط الأمريكي في الحرب على غزة وتصف ما يجري بأنه «إبادة» وتطالب بإطلاق ملفات إبستين كاملة، وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع شبكة معقدة من المصالح: البيت الأبيض، قيادة الحزب في الكونغرس، ولوبيات قوية تتهم أي تشكيك في التحالف مع إسرائيل بأنه انحراف عن «أمريكا أولاً» لصالح «أجندة معادية للسامية» أو «أجندة يسارية متطرفة».[42]
النتيجة كانت تصعيداً دراماتيكياً انتهى بإعلان غرين استقالتها من الكونغرس، وتحوّلها من «ابنة ماغا المدللة» إلى شخصية يصفها ترامب نفسه علناً بـ«الخائنة» و«المختلّة»، ويهدّد بدعم مرشح ضدها في الانتخابات التمهيدية. في بيان استقالتها وفيديوهاتها على منصة «إكس»، ربطت غرين بين خروجها من المؤسسة التشريعية وبين قناعتها بأن «أمريكا أولاً يعني أمريكا فقط، ولا يجب أن يُرفَق بأي بلد أجنبي في أروقة الحكم»، في إشارة واضحة إلى رفضها لتحويل إسرائيل إلى شريك دائم في تعريف المصلحة القومية الأمريكية. كما تحدثت عن تهديدات تلقتها بعد سقوط دعم ترامب، وعن شعورها بأن «مافيا سياسية» مرتبطة بالقيادة الجمهورية واللوبيات المؤيدة لإسرائيل تعمل على معاقبة كل من يرفض الانضواء في الخط الرسمي للحزب. تكشف قصة غرين كيف يمكن لمجرد الاقتراب من ملفات مثل غزة أو إبستين من زاوية ناقدة لدور إسرائيل أو حلفائها أن يحوّل نائباً جمهورياً من نجم صاعد إلى «منبوذ» خلال فترة قياسية قد لا تتجاوز أسابيع قليلة.[43]
بهذا المعنى، لا يمكن فصل السجال حول «حرية التعبير» و«محاربة معاداة السامية» في الولايات المتحدة اليوم عن الصراع الأعمق الذي يدور داخل الحزب الجمهوري وبين جناحين في معسكر اليمين: جناح تقليدي–مؤسسي يرى أن التحالف مع إسرائيل جزء من هوية الحزب التي لا يجوز المساس بها، وجناح ماغاوي–شعبوي أكثر استعداداً لطرح أسئلة محرجة حول كلفة هذا التحالف ومكانته ضمن شعار «أمريكا أولاً». الحملة المضادة التي تقودها القيادة التقليدية، مستفيدة من شبكة اللوبيات والقوانين والاتهامات الأخلاقية، تهدف في الجوهر إلى منع هذا السجال من التحول إلى انقسام هيكلي يهدد بنية الحزب ويعيد تعريف علاقته بإسرائيل من الأساس. لكن إصرار شخصيات مثل غرين، وموجة الإعلام البديل التي تحتضن أصواتاً ناقدة للخط الرسمي، يعني أن هذه المعركة بعيدة عن الحسم، وأن السنوات القليلة المقبلة ستشهد المزيد من محاولات التأديب من الأعلى، والمزيد من التمردات من الأسفل، تحت شعارات متنافسة لحرية التعبير ومحاربة الكراهية والدفاع عن «أمريكا أولاً».
خاتمة: ملامح إعادة اصطفاف داخل اليمين وآفاق مستقبلية
ما يمكن استخلاصه من هذا العرض هو أن التحول الجاري داخل ماغا واليمين المحافظ في الموقف من إسرائيل ليس مجرد «انقلاب» مفاجئ، بل عملية تدريجية تتقاطع فيها عدة تيارات. على السطح، ما زال الحزب الجمهوري في مؤسساته القيادية متشبثاً بتحالف وثيق مع إسرائيل، ويواصل تأييد حزم المساعدات العسكرية والدبلوماسية الكبيرة، ويصطف معظم مرشحيه الرئاسيين مع خطاب الدعم غير المشروط. لكن تحت هذا السطح، تتبلور ثلاث طبقات من التغيير.
الطبقة الأولى هي التحول الجيلي: فالشباب الجمهوريون والإنجيليون أقل تمسكاً بالرواية التقليدية التي ترى في إسرائيل «حليفاً بلا عيب» وأكثر استعداداً للسؤال عن كلفة هذا التحالف على صورة الولايات المتحدة وسمعتها، وعن معاناة الفلسطينيين في غزة والضفة. الطبقة الثانية هي صعود خطاب يميني شعبوي-انعزالي يجمع بين الشك في التحالفات الخارجية، ورفض «المحافظين الجدد»، والعداء للمؤسسات الأمنية والدبلوماسية التقليدية «الدولة العميقة»، ويضع إسرائيل ضمن منظومة «العولمة» التي يريد التحرر منها. هذا الخطاب لا يعني تلقائياً التعاطف مع الفلسطينيين، لكنه يفتح باباً لرفض المساعدات المالية والعسكرية الامريكية لإسرائيل أو المطالبة بتقييدها وربطها بشروط أو حتى وضع علامات استفهام غير مسبوقة على جوهر التحالف بين البلدين.
الطبقة الثالثة هي التحول الإعلامي الذي سمح لفاعلين مثل تاكر كارلسون وكانديس أوينز وديف سميث وغيرهم بالحديث مباشرة إلى جمهور ماغا خارج قنوات الحزب التقليدية، وبصياغة سرديات جديدة عن فلسطين وإسرائيل تتراوح بين النقد الحقوقي والأخلاقي والانعزالية القومية وأحياناً نظريات المؤامرة. ومع أن اللوبيات والجماعات المؤيدة لإسرائيل ما زالت قوية وقادرة على معاقبة بعض الأصوات الناقدة أو تحجيمها، فإن قدرتها على ضبط كامل المشهد الإعلامي تراجعت بشدة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنوات.
لا يعني كل ما سبق أن اليمين الأمريكي في طريقه للتحول إلى معسكر مؤيد لفلسطين بين ليلة وضحاها. فالواقع أكثر تعقيداً: اذ ان ثمة غالبية يمينية ما زالت ترى في إسرائيل حليفاً استراتيجياً وأخلاقياً، وهناك أقلية صاخبة، لكنها تتوسع بين جيل الشباب، تشكك في هذا التحالف أو ترفض كلفته. في المقابل، تشهد الساحة الديمقراطية تسارعاً في الاتجاه المعاكس، حيث باتت شرائح واسعة من القاعدة التقدمية ترى الدعم لإسرائيل إشكالياً على المستويين الأخلاقي والسياسي، الأمر الذي يفتح المجال لاحتمال نشوء تقاطع عابر للمعسكرات بين يسار ينتقد إسرائيل بدافع حقوقي، ويمين انعزالي يعارض المساعدات الخارجية بدوافع قومية واقتصادية، وفي بعض الحالات يلتقي الطرفان أيضاً عند نقد يستند إلى اعتبارات أخلاقية مشتركة.
من المنظور الفلسطيني، يقدم هذا المشهد المتحرك فرصاً وتحديات. الفرصة تكمن في أن الموضوع لم يعد مغلقاً ومحسوماً داخل اليمين كما كان، وأن هناك جمهوراً محافظاً شاباً مستعداً على الأقل لسماع رواية بديلة عن غزة والاحتلال. أما التحدي فيكمن في أن جزءاً من النقد اليميني لإسرائيل تحركه دوافع عنصرية أو نظريات مؤامرة، والاصطفاف مع هذا النوع من الخطاب قد يكون قصير المدى وخطراً أخلاقياً وسياسياً في آن.
على مدار عقود، سعى الفلسطينيون وحلفاؤهم في الولايات المتحدة إلى بناء حركة داعمة لفلسطين داخل ما اعتبروه الإطار الطبيعي والرافعة المنطقية لنضالهم، أي في الأوساط التقدمية واليسارية والليبرالية. لم يفكر كثيرون بجدية في احتمال تغيّر مواقف اليمين، وبخاصة اليمين الإنجيلي المسيحي الصهيوني، أو قابليته لإعادة النظر في موقعه من القضية الفلسطينية، لذلك ترسّخت البنية التحتية للتنظيم السياسي والعمل الخطابي المؤيد لفلسطين داخل فضاءات اليسار والتقدمية؛ حيث يتقاطع الخطاب الفلسطيني هناك مع قضايا العدالة العرقية والاجتماعية، وحقوق السكان الأصليين، والنضال ضد الإمبريالية والعنصرية البنيوية في الولايات المتحدة. اليوم، مع بروز تيار مناهض لإسرائيل داخل اليمين يحمل، ولو جزئياً، عناصر تعاطف مع الفلسطينيين ويعترف بإنسانيتهم ويرفض الإبادة الجماعية، يصبح المشهد أكثر تعقيداً، كما تصبح مهمة الفاعلين في مجالات المناصرة والتعبئة وبناء التحالفات من أجل فلسطين أكثر تشابكاً من السابق.
فمن جهة، تبرز أسئلة مبدئية تتعلق بكيفية نظر الفلسطينيين إلى أنفسهم وقضيتهم وتحليلهم للصراع مع إسرائيل بوصفه مشروعاً استعمارياً عنصرياً متشابكاً تاريخياً مع المنظومة الإمبريالية الغربية. ومن جهة أخرى، تفرض نفسها اعتبارات براغماتية تتعلق بمدى وجوب الانفتاح على أي حليف محتمل يمكن أن يساهم في محاصرة إسرائيل وتفكيك أسس تحالفها العميق مع الولايات المتحدة، سواء على المستوى السياسي أو العسكري أو الثقافي أو الدعائي. في هذا الإطار، سيكون من المهم متابعة كيفية تطور التيار المناهض لإسرائيل داخل ماغا واليمين الأوسع، وما إذا كان سيتجه فعلاً إلى توسيع قاعدته الشعبية والمنافسة على إيصال رموزه إلى مواقع صنع القرار بخطاب انتخابي صريح يرفض التحالف التقليدي مع إسرائيل ولا يتحرج من الدعوة إلى إنهاء أشكال الدعم السياسي والعسكري والمالي للمشروع الصهيوني.
ومن غير المستبعد أن تشكل الانتخابات الرئاسية عام 2028 ساحة اختبار حقيقية لهذه التحولات داخل الحزب الجمهوري، إذا ما برزت قيادات ذات حضور جماهيري مثل مارجوري تايلور غرين أو تاكر كارلسون أو توماس ماسي إما كمرشحين ينافسون رموز الحزب التقليديين، أو كلاعبين رئيسيين في صياغة أجندة انتخابية جديدة تستند إلى قاعدة شبابية داخل الحزب لم تعد تشارك الجيل الأقدم نظرته إلى إسرائيل بوصفها موضوعاً محصناً ضد النقد. عندها قد تتحول تلك الانتخابات إلى ما يشبه مواجهة داخلية حادة حول هوية الحزب وبرنامجه في قضايا السياسة الخارجية، في ظل الضغوط والتحديات التي تواجه إدارة ترامب الحالية، وما تولّده من تصدعات عميقة داخل اليمين الأمريكي نفسه.
في الوقت نفسه، سيبقى بناء تحالفات مع قوى من هذا النوع داخل اليمين الأميركي مهمة شديدة الصعوبة؛ فحتى لو تبنّت قطاعات منه مواقف معادية لإسرائيل أو ناقدة لتحالفها مع واشنطن، فإن شرائح واسعة من هذا المعسكر ما زالت أسيرة الإسلاموفوبيا، وتنظر إلى العرب والمسلمين ضمن سردية أوسع معادية للأقليات، تدعو إلى الترحيل الواسع، وإغلاق الحدود، وإيقاف الهجرة، وطرد المهاجرين، وتتغذّى على خطابات عنصرية قد تصل أحياناً إلى مستوى التفوق الأبيض.
ومع ذلك، بدأت فئات محدودة داخل هذا اليمين تتراجع عن بعض أحكامها المسبقة تجاه العرب والمسلمين والفلسطينيين، وتقرّ بأنها تعرّضت لـ«غسيل دماغ» طويل عبر الإعلام الرسمي والتقليدي، وأن روايتها عن الصراع لم تكن مكتملة. غير أن كثيراً من هذه المراجعات لا يزال محمّلاً بتناقضات ومغالطات وعدم اتساق، لأن هذه التحولات ما زالت في بداياتها وتأتي في إطار أوسع من إعادة تعريف اليمين – أو أجزاء منه – لدوره وهويته وبرنامجه وأعدائه وحلفائه. لذلك يبقى التعامل مع هذه الظاهرة مجالاً يحتاج إلى حذر سياسي وأخلاقي كبير خلال السنوات القليلة المقبلة، بحيث لا تجد حركة الحقوق الفلسطينية نفسها متورطة في تحالفات أكثر التباساً وخطورة.[44]
في كل الأحوال، يتطلب التعامل الجاد مع هذه التحولات فهماً دقيقاً لبنية اليمين الأمريكي، بعيداً عن الصور النمطية المبسطة، وإدراكاً بأن السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل لن تتغير بين ليلة وضحاها، لكنها تتعرض اليوم لضغوط بنيوية قد تفتح المجال في السنوات المقبلة أمام نقاش أوسع حول طبيعة هذا التحالف وحدوده، حتى داخل المعسكر الذي كان يُعد تاريخياً القلعة الأكثر صلابة في دعمه لإسرائيل.
[1] ظهر استخدام تعبير “Make America Great Again” «لنُعِد لأمريكا عظمتها من جديد» في حملة رونالد ريغان الانتخابية عام 1980، حيث استُخدم في إعلان دعائي متلفز يدعو إلى استعادة قوة الولايات المتحدة وهيبتها بعد أزمات السبعينات. يمكن مشاهدة الإعلان الأصلي هنا:
[2] مقال لـ Vox يوضح أن ريغان استخدم عبارة «لنعد لأمريكا عظمتها من جديد» خطابياً عام 1980، بينما حوّلها ترامب إلى شعار سياسي مركزي:
https://www.vox.com/policy-and-politics/2016/10/18/13314664/make-america-great-again-reagan-trump
[3] للمزيد عن بوكانان وشعار «أمريكا أولاً»:
https://www.history.com/news/pat-buchanan-america-first-populism
[4] للمزيد حول طرح بوكانان الفكري كما عرضه في كتابه A Republic, Not an Empire:
https://archive.org/details/republicnotempir0000buch
[5] للمزيد حول التركيبة الاجتماعية لقاعدة ماغا:
https://www.pewresearch.org/short-reads/2024/02/06/who-are-donald-trumps-supporters/
[6] حول تراجع دعم الشباب الإنجيليين لإسرائيل في دراسة تلحمي (٢٠٢١):
https://www.brookings.edu/articles/as-israel-increasingly-relies-on-us-evangelicals-for-support-younger-ones-are-walking-away-what-polls-show
[7]على المستوى الحزبي الأوسع، تشير بيانات بيو وغالوب إلى أن الجمهوريين الشباب أقل ميلاً لدعم إسرائيل من الجمهوريين الأكبر سناً، وأن النظرة الإيجابية للفلسطينيين أعلى نسبياً بين من هم دون الثلاثين مقارنة بمن تجاوزوا الخمسين. ويتزامن ذلك مع تراجع لافت في التدين المؤسسي داخل المجتمع الأمريكي، إذ انخفضت نسبة من يعتبرون الدين جزءاً مهماً من حياتهم اليومية من 66٪ عام 2015 إلى 49٪ عام 2025، وهو تراجع يضعف إحدى الركائز التقليدية للدعم اليميني لإسرائيل، ولا سيما بين البروتستانت المحافظين الذين شكلوا تاريخياً قاعدة هذا الدعم. نفس المصدر
[8] استبيان نشر في 2025 يظهر أن نسبة كبيرة من الأمريكيين بدأت ترى أن دعم الولايات المتحدة لإسرائيل في حرب غزة “أكثر من اللازم”. https://www.washingtonpost.com/world/2025/09/18/israel-gaza-us-support-poll/
[9] استبيان نشر في 2025 يظهر أن نسبة كبيرة من الأمريكيين بدأت ترى أن دعم الولايات المتحدة لإسرائيل في حرب غزة “أكثر من اللازم”. https://www.washingtonpost.com/world/2025/09/18/israel-gaza-us-support-poll/
[10] دراسة من جامعة ميريلاند (أغسطس 2025) تظهر أن الجمهوريين الشباب أصبحوا أكثر تعاطفاً مع الفلسطينيين وأن مسافة كبيرة نشأت بينهم وبين الجمهوريين الأكبر سناً. https://sadat.umd.edu/sites/sadat.umd.edu/files/August%20Poll%20082525%20FINAL.pdf
[11] استطلاع من Responsible Statecraft (Quincy Institute) يبيّن تراجع الدعم الشعبي للعمل العسكري الإسرائيلي وارتفاع التأييد لوقف إطلاق النارhttps://responsiblestatecraft.org/poll-americans-israel/
[12] للمزيد عن الفجوة الجيلية وتراجع الدعم لإسرائيل بين الشباب انظر:
https://www.brookings.edu/articles/the-generation-gap-in-opinions-toward-israel/
وانظر أيضاً:
https://www.brookings.edu/articles/support-for-israel-continues-to-deteriorate-especially-among-democrats-and-young-people/
[13] حول خلاف كارلسون مع خط فوكس بشأن أوكرانيا:
https://www.politico.com/news/2023/04/25/tucker-carlson-ukraine-fox-news-00093679
[14] لقة يناقش فيها كارلسون أوضاع المسيحيين تحت الحكم الإسرائيلي، بثّت بتاريخ Apr 9, 2024.
[15] حلقة من برنامج The Young Turks تناقش هجوم أصوات يمينية مؤيدة لإسرائيل على كارلسون بعد مقابلته مع منذر إسحاق.
[16] تشير تقارير Axios وBarrett Media إلى أن إيرادات Daily Wire تجاوزت 100 مليون دولار سنوياً منذ 2022، وأن تقييمها الاستثماري تخطى مليار دولار، ما يجعلها واحدة من أكبر منصات الإعلام المحافظ في الولايات المتحدة.
https://www.axios.com/2022/02/08/daily-wire-revenue-shapiro-boreing
[17] قناة كانديس أوينز الرسمية على يوتيوب.
https://www.youtube.com/@RealCandaceO
[18] مثال على تصريح بانون في WarRoom يصف فيه إسرائيل بأنها «محمية لا حليف» ويتهم حكومة نتنياهو بتدمير الدولة والإضرار باليهود حول العالم.
[19] بانون يصرح بأنه «صهيوني مسيحي فخور»:
https://www.jta.org/2017/11/13/united-states/stephen-bannon-says-im-proud-to-be-a-christian-zionist
وحول وصفه لاحقاً لإسرائيل بأنها «محمية» تعتمد على الولايات المتحدة وتحذيره من تآكل دعمها داخل ماغا انظر:
https://www.newsweek.com/steve-bannon-netanyahu-iran-israel-war-2090699
[20] مثال على استضافة ستيف بانون لكيرت ميلز في برنامج WarRoom لمناقشة قرار نتنياهو العسكري في غزة وكيف يغذي شكوك المحافظين الأمريكيين تجاه إسرائيل.
[21] مثال على انتقاد النائب الجمهوري السابق مات غيتز للمذيع المحافظ البارز والمؤيد بقوة لإسرائيل مارك ليفين، بسبب تشكيكه في حجم الضحايا المدنيين في غزة وتقليله من شأن التوثيق المصوَّر للمجازر.
[22] حلقة من برنامج Joe Rogan Experience يستضيف فيها جو روغان الكوميدي والناشط الليبرتاري المناهض للحروب ديف سميث والمفكر المحافظ المؤيد بقوة لإسرائيل دوغلاس موراي؛ وتُعدّ المناظرة حول غزة وفلسطين في هذه الحلقة – ضمن أحد أضخم البودكاستات في العالم الذي تصل حلقاته إلى ملايين المستمعين – محطة مفصلية في فتح نقاش علني داخل الأوساط اليمينية حول الحرب والرواية الإسرائيلية.
[23] مقابلة في برنامج ميغن كيلي بعنوان «The Truth About AIPAC and the Israel Lobby’s Power in Washington» تستضيف فيها النائبة الجمهورية مارجوري تايلور غرين لمناقشة نفوذ إيباك ولوبي إسرائيل في واشنطن، والرحلات الثنائية إلى إسرائيل، وتجاربهن الشخصية مع هذه المنظمات، وحجم المليارات التي ترسلها الولايات المتحدة لإسرائيل.
[24] غرين أعلنت استقالتها من الكونغرس ابتداءً من 5 كانون الثاني/يناير 2026 بعد قطيعة حادة مع ترامب، الذي وصفها في منشوراته بـ«الخائنة» و«المختلة» على خلفية خلافات حول ملف إبستين وقضايا أخرى.
https://www.cnbc.com/2025/11/23/rep-marjorie-taylor-greene-will-resign-after-fallout-with-trump.html
[25] الجرويبرز مجموعة تابعة لليمين القومي المتطرف يقودها الناشط نيك فوينتس، المعروف بمواقفه المثيرة للجدل داخل اليمين الأمريكي.
[26] مقال “Young Republicans and Evangelicals Are Much Less Sympathetic with Israel than Older Ones. Why?” يناقش ميل الشباب الجمهوري والإنجيلي لتخفيف أو مراجعة الدعم لإسرائيل مقارنة بالأجيال الأكبر.
https://criticalissues.umd.edu/feature/young-republicans-and-evangelicals-are-much-less-sympathetic-israel-older-ones-why
[27] تقرير “Ripples of Hope, Page Two” يعرض مؤشّرات على تغيير في الرأي العام الأمريكي عموماً، وكذلك داخل الجالية اليهودية في الولايات المتحدة.
https://www.kairosresponse.org/ripples_of_hope_2.html
[28] استطلاع نشر على موقع Responsible Statecraft أظهر أن 41٪ من الأمريكيين يعتقدون أن إسرائيل ترتكب “أعمالاً إبادية” في غزة، وأن للمرة الأولى تعداداً أكبر من أولئك المتعاطفين مع الفلسطينيين من المدافعين عن الحرب، في حين قال 22٪ فقط إن الحرب مبرَّرة بموجب “الحق في الدفاع عن النفس”.
https://responsiblestatecraft.org/poll-americans-israel/
[29] Doug Bandow, “The Case for Ending Aid to Israel,” Cato Institute, 2012.
https://www.cato.org/commentary/case-ending-aid-israel
[30] Jon Hoffman, “Israel Is a Strategic Liability for the United States,” Cato Institute / Foreign Policy, 2024.
https://www.cato.org/commentary/israel-strategic-liability-united-states
[31] “Poll: 41% of Americans say Israel committing genocidal acts in Gaza,” Responsible Statecraft / Critical Issues Poll (University of Maryland).
https://responsiblestatecraft.org/poll-americans-israel/
[32] Amanda Kadlec, “MAGA Zionism and Its Discontents,” New Lines Magazine, 2025.
https://newlinesmag.com/reportage/maga-zionism-and-its-discontents/
[33] “U.S. Should Stop Subsidizing Bad Israeli Economic and Occupation Policies,” Cato Institute.
https://www.cato.org/commentary/us-should-stop-subsidizing-bad-israeli-economic-occupation-policies
[34] Jon Hoffman, “Israel Is a Strategic Liability for the United States,” Cato Institute / Foreign Policy, 2024.
https://www.cato.org/commentary/israel-strategic-liability-united-states
[35] مقال في Truthout بعنوان “Is the Tide Starting to Turn Against AIPAC?” يناقش تزايد اعتبار دعم AIPAC عبئاً سياسياً على المرشحين الديمقراطيين في مواجهة تحديات تقدمية.
https://truthout.org/articles/is-the-tide-starting-to-turn-against-aipac/
[36] تقرير في الغارديان عن تعهّد نتنياهو بمواجهة ما وصفه بـ«تشويه صورة إسرائيل» عبر الإنترنت.
https://www.theguardian.com/us-news/2025/jul/08/benjamin-netanyahu-israel-gaza
[37] تقرير موسّع في واشنطن بوست يشرح تعيين باري وايس رئيسة للتحرير في CBS News بعد استحواذ شركة Skydance التابعة للملياردير المؤيد لإسرائيل إليسون على Paramount، ويحلّل كيف يُنظر إلى هذه الخطوة كمحاولة لـ”إعادة تشكيل CBS بأسلوب منصة The Free Press “ المنحازة لإسرائيل بشدة، والتي شاركت وايس في تأسيسها، في سياق إعادة تشكيل الخط التحريري للشبكة.
https://www.washingtonpost.com/business/2025/11/07/bari-weiss-cbs-news-remake/
[38] حلقة من برنامج The Grayzone مع ماكس بلومنثال بعنوان:
Trump, Epstein, and the Unraveling of America’s Pro-Israel Consensus
يشير فيها بلومنثال، الصحفي الأميركي المتابع عن كثب للتطورات داخل ماغا، إلى أن فضيحة أبستين أصبحت مدخلاً لتفكيك «الإجماع المؤيد لإسرائيل» داخل ماغا، وربط ملف أبستين بشبكة من الشخصيات والجهات الصهيونية وبتآكل ثقة القاعدة بترامب وحلفائه.
[39] تقرير في صحيفة New York Post يلخّص الاتهامات التي أطلقتها كانديس أوينز، نقلاً عن تحقيق في The Grayzone، حول «تدخّل» الملياردير بيل أكمان وشخصيات مرتبطة بإسرائيل للضغط على تشارلي كيرك لتبنّي خط أكثر تأييداً لإسرائيل، ويشير إلى أن اغتياله في فعالية لـ Turning Point USA أثار موجة من التكهنات على اليمين حول دور ضغوط مؤيدي إسرائيل، رغم نفي أكمان والسلطات لأي صلة مباشرة.
https://nypost.com/2025/09/16/media/bill-ackman-denies-candace-owens-claim-he-staged-charlie-kirk-intervention-over-israel/
[40] قرار مجلس النواب الأمريكي H.Res.894 ديسمبر 2023 ينص صراحة في البند (4) على أن «Anti-Zionism is antisemitism».
https://www.congress.gov/bill/118th-congress/house-resolution/894/text
أنظر أيضاً بيان النائب الديمقراطي جيمي راسكن الذي انتقد القرار تحديداً لهذا السبب، ويشرح بالتفصيل لماذا المساواة المطلقة بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية غير دقيقة تاريخياً وفكرياً.
https://raskin.house.gov/2023/12/rep-raskin-statement-on-h-res-894
[41] مشروع قانون في تكساس (S.B. 2972) يفرض قيوداً صارمة على الاحتجاج في الجامعات، ويقدّم صراحة كاستجابة جمهورية لاعتصامات واحتجاجات مؤيدة لفلسطين في العام السابق.
https://www.washingtonpost.com/nation/2025/06/20/texas-campus-speech-law-palestine-protests/
[42] تقريرللجزيرة (يوليو 2025) يوثّق منشور جرين الذي تقول فيه إن ما يجري في غزة «إبادة جماعية»، وتصف الجوع والقصف بأنه جزء من هذه الإبادة، ويشير إلى أنها من أوائل الجمهوريين الذين استخدموا هذا الوصف.
https://www.aljazeera.com/news/2025/7/29/trump-ally-marjorie-taylor-greene-decries-genocide-in-gaza
[43] تقرير للواشنطن بوست عن استقالة جرين يذكر أن الخلاف بينها وبين ترامب انفجر حين دفعت للتصويت على مشروع يلزم وزارة العدل بإطلاق ملفات إبستين، وأن ترامب وصفها بـ«خائنة» (traitor)، وأنها قالت إن الدفاع عن النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب والاستغلال في قضية إبستين لا يجب أن يؤدي إلى تهديدها من رئيس دعمتَه.
https://www.washingtonpost.com/politics/2025/11/21/marjorie-taylor-greene-resigns-congress/
[44]يشير مقال MAGA Zionism and Its Discontents في New Lines الى كيف يعبر ناشطين إنجيليين وشباب يمينيين أنهم يشعرون بأنهم كبروا على رواية أحادية عن إسرائيل والفلسطينيين ويعيدون اليوم النظر فيها تحت تأثير صور غزة والإنترنت.
https://newlinesmag.com/reportage/maga-zionism-and-its-discontents/





